هل كنا شهوداً على واحدة من أعظم مباريات كرة القدم؟ في أمسية ساحرة ومجنونة احتضنها ملعب “حديقة الأمراء”، قدم فريقا باريس سان جيرمان وبايرن ميونخ عرضاً كروياً استثنائياً فاق كل التوقعات، وبدا وكأنه لوحة فنية نسجتها أقدام اللاعبين.
شهدت العاصمة الفرنسية تسجيل تسعة أهداف كاملة، وهو رقم قياسي لمرحلة الذهاب في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا. انتهت المواجهة بتفوق النادي الباريسي بنتيجة (5-4) قبل موقعة الحسم الأسبوع القادم. لكن المذهل لم يكن في النتيجة فحسب، بل في الأداء الساحر الذي جمع بين المهارات الخارقة والهجوم الكاسح الذي لا يهدأ.
تكتيك الارتجال وكسر التوقعات
دخلنا اللقاء ونحن نترقب مواجهة تكتيكية مغلقة ومكتظة بالضغط، كما هو معتاد في المربع الذهبي لأعرق البطولات القارية، حيث تُحسم الأمور بتفاصيل دقيقة. لكن ما شاهدناه كان أشبه بقطعة موسيقية ارتجالية استمرت لـ 90 دقيقة من الإبداع عالي المستوى والالتحامات البدنية القوية.
على الورق، قد توحي نتيجة 5-4 بوجود فوضى وعشوائية، إلا أن هذه القمة كانت منظمة ونظيفة بشكل مدهش في تبادل الهجمات. لقد استمتعنا بلوحات كروية متجددة ومذهلة؛ بدءاً من الخفة البارعة لمايكل أوليسي، الذي يُعد من أكثر اللاعبين تطوراً في أوروبا وانطلق كالسهم في أرجاء الملعب، وصولاً إلى الإبداعات الفنية العميقة للنجم خفيتشا كفاراتسخيليا.
قبل انطلاق الصافرة، كانت الأجواء في باريس مشمسة ونقية، والشوارع المحيطة بالملعب تنبض بحماس الانتصار. دخل الباريسيون كمرشحين مفضلين، وكانت الدروس المستفادة من مواجهة بايرن ميونخ السابقة واضحة: ضرورة الضغط العالي والجرأة في الهجوم، والاعتماد على لاعبين مثل فيتينيا الذي يمتلك قدرة فائقة على التخلص من الرقابة وتجاوز أضيق المساحات بمرونة مذهلة.
مهرجان أهداف في الشوط الأول
منذ الدقائق الأولى، فتح الفريقان خطوطهما باندفاع هجومي غير مسبوق للبحث عن المساحات، مما أسفر عن خمسة أهداف في الشوط الأول وحده في مباراة ذات رهانات هائلة. إليكم أبرز محطات هذا الشوط المجنون:
- الدقيقة 17 (الضربة البافارية الأولى): انطلاقة مميزة من لويس دياز وتمريرة متبادلة مع أوليسي (رغم محاولات ويليان باتشو الدفاعية) انتهت عند هاري كين. المهاجم الإنجليزي امتص صافرات الاستهجان، تريث قليلاً، ثم أسكن الكرة في الشباك عكس اتجاه الحارس ماتفي سافونوف، ليرفع رصيده إلى 13 هدفاً ويقترب من صدارة الهدافين. وكاد كين أن يضاعف النتيجة بتمريرة سحرية لأوليسي لولا براعة الحارس.
- الدقيقة 24 (رد الاعتبار الباريسي): هنا بدأ سحر “منطقة كفاراتسخيليا”. استلم المهاجم الجورجي المربك الكرة في الرواق الأيسر، ضغط على دواسة السرعة، وتوغل بمهارة فائقة وسط دفاع بايرن المتراجع قبل أن يسدد كرة أرضية زاحفة في الزاوية البعيدة عادلت الكفة (1-1).
- الدقيقة 30 (تقدم أصحاب الأرض): بعد أن تلاعب أوليسي بنونو مينديز وعكس كرة ارتطمت بالقائم، رد باريس بسرعة عبر ركلة ركنية ارتقى لها جواو نيفيس برأسية متقنة سكنت الزاوية البعيدة (2-1).
- الدقيقة 41 (السحر البافاري): عاد مايكل أوليسي ليخطف الأضواء بلمسة فنية ومرونة راقصة. وسط حصار من أربعة مدافعين، وجد مساحة صغيرة وسدد كرة قوية ومباغتة سكنت شباك سافونوف (2-2).
- الوقت بدل الضائع (باريس يستعيد التقدم): بعد العودة لتقنية الفيديو (VAR)، احتسب الحكم ركلة جزاء إثر لمسة يد على ألفونسو ديفيز. نفذها عثمان ديمبيلي بنجاح، لينتهي الشوط الأول المثير بنتيجة (3-2).
شوط ثانٍ مليء بالدراما والانتفاضة
انطلق الشوط الثاني بإيقاع أقل جنوناً بقليل، لكنه سرعان ما اشتعل من جديد ليعمق باريس جراح الضيوف:
- الدقيقة 56: وسع باريس الفارق بفضل تمريرة متقنة من أشرف حكيمي من الجهة اليمنى، تركها ديمبيلي بتمويه ذكي لتصل إلى كفاراتسخيليا الخالي من الرقابة، والذي أودعها الشباك بسهولة (4-2).
- الدقيقة 58: عاد ديمبيلي ليتوغل من العمق ويسدد كرة صاروخية اصطدمت بالقائم وسكنت الشباك، معلنة تقدم الباريسيين بخماسية (5-2).
في تلك اللحظات، ظن الجميع أن بايرن ميونخ قد تلاشى تماماً تحت وطأة الهجوم الباريسي الكاسح وأن المباراة قد حُسمت. لكن العملاق البافاري انتفض في غضون عشر دقائق وقلب الموازين مجدداً:
- العودة السريعة: ارتقى ديوت أوباميكانو ليحول ركلة حرة برأسه إلى هدف ثالث. وبعدها بقليل، استغل لويس دياز تمريرة حاسمة رائعة من هاري كين ليتوغل داخل منطقة الجزاء ويسدد كرة قوية في الزاوية (5-4).
كان بايرن قريباً جداً من إدراك التعادل المجنون (5-5) في الدقائق الأخيرة وسط ضغط هائل. لكن صافرة النهاية أعلنت فوز باريس سان جيرمان، لتقف الجماهير وتصفق بحرارة للفريقين على هذا العرض الأسطوري. النتيجة تركت كل الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها في مباراة الإياب الأسبوع المقبل، والتي تبدو متوازنة تماماً رغم هذا الفارق الضئيل.
